محمد بن جرير الطبري
128
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
خمرا وقوله : وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ يقول تعالى ذكره : وقال الآخر من الفتيين : إني أراني في منامي أحمل فوق رأسي خبزا ؛ يقول : أحمل على رأسي ، فوضعت " فوق " مكان " على " تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ يعني من الخبز . وقوله : نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ يقول : أخبرنا بما يؤول إليه ما أخبرناك أنا رأيناه في منامنا ويرجع إليه . كما : حدثني الحرث ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا يزيد ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ قال : به . قال الحرث ، قال أبو عبيد : يعني مجاهد : أن تأويل الشيء : هو الشيء . قال : ومنه تأويل الرؤيا ، إنما هو الشيء الذي تئول إليه وقوله : إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ اختلف أهل التأويل في معنى الإحسان الذي وصف به الفتيان يوسف ، فقال بعضهم : هو أنه كان يعود مريضهم ، ويعزي حزينهم ، وإذا احتاج منهم إنسان جمع له . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا سعيد بن منصور ، قال : ثنا خلف بن خليفة ، عن سلمة بن نبيط ، عن الضحاك بن مزاحم ، قال : كنت جالسا معه ببلخ ، فسئل عن قوله : نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قال : قيل له : ما كان إحسان يوسف ؟ قال : كان إذا مرض إنسان قام عليه ، وإذا احتاج جمع له ، وإذا ضاق أوسع له حدثنا إسحاق ، عن أبي إسرائيل ، قال : ثنا خلف بن خليفة ، عن سلمة بن نبيط ، عن الضحاك ، قال : سأل رجل الضحاك عن قوله : إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ما كان إحسانه ؟ قال : كان إذا مرض إنسان في السجن قام عليه ، وإذا احتاج جمع له ، وإذا ضاق عليه المكان أوسع له حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر بن عبد الله ، عن قتادة ، قوله : إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قال : بلغنا أن إحسانه أنه كان يداوي مريضهم ، ويعزي حزينهم ، ويجتهد لربه . وقال : لما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوما قد انقطع رجاؤهم واشتد بلاؤهم ، فطال حزنهم ، فجعل يقول : أبشروا واصبروا تؤجروا ، إن لهذا أجرا ، إن لهذا ثوابا فقالوا : يا فتى بارك الله فيك ما أحسن وجهك وأحسن خلقك ، لقد بورك لنا في جوارك ، ما نحب أنا كنا في غير هذا منذ حبسنا لما تخبرنا من الأجر والكفارة والطهارة ، فمن أنت يا فتى ؟ قال : أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب ابن ذبيح الله إسحاق بن إبراهيم خليل الله . وكانت عليه محبة ، وقال له عامل السجن : يا فتى والله لو استطعت لخليت سبيلك ، ولكن سأحسن جوارك وأحسن إسارك ، فكن في أي بيوت السجن شئت حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن خلف الأشجعي ، عن سلمة بن نبيط ، عن الضحاك في : إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قال : كان يوسع للرجل في مجلسه ، ويتعاهد المرضى وقال آخرون : معناه : إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إذ نبأتنا بتأويل رؤيانا هذه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : استفتياه في رؤياهما ، وقالا له : نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إن فعلت وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة . فإن قال قائل : وما وجه الكلام إن كان الأمر إذن كما قلت ، وقد علمت أن مسألتهما يوسف أن ينبئهما بتأويل رؤياهما ليست من الخبر عن صفته بأنه يعود المريض ويقوم عليه ويحسن إلى من احتاج في شيء ، وإنما يقال للرجل : نبئنا بتأويل هذا فإنك عالم ، وهذا من المواضع التي تحسن بالوصف بالعلم لا بغيره ؟ قيل : إن وجه ذلك أنهما قالا له : نبئنا بتأويل رؤيانا محسنا إلينا في إخبارك إيانا بذلك ، كما نراك تحسن في سائر أفعالك ، إنا نراك من المحسنين . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ يقول تعالى ذكره : قالَ يوسف للفتيين اللذين استعبراه الرؤيا : لا يَأْتِيكُما أيها الفتيان في منامكما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ في يقظتكما قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع